الخطيب الشربيني
319
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والحال أنّ كل من له نوع بصيرة يعلم أنّ الملك الأعلى هو الذي له وحده الْعِزَّةُ أي : الغلبة كلها وَلِرَسُولِهِ لأنّ عزتّه من عزته وَلِلْمُؤْمِنِينَ فعزة الله قهره من دونه ، وكل من عداه دونه وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها ، وعزة المؤمنين نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ أي : الذين استحكم فيهم مرض القلوب لا يَعْلَمُونَ أي : لا يوجد لهم علم الآن ، ولا يتجدد في حين من الأحيان فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف . روي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت هذه الآيات بسببه كما مرّ إلى أبيه ، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقته ، وقال : أنت والله الذليل ورسول الله صلى اللّه عليه وسلم العزيز . ولما أراد أن يدخل المدينة عبد الله بن أبي اعترضه ابنه حباب ، وهو عبد الله غير رسول الله صلى اللّه عليه وسلم اسمه ، وقال « إن حبابا اسم شيطان » « 1 » وكان مخلصا ، وقال : وراءك والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الأعز وأنا الأذل ، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بتخليته . وروي أنه قال : لئن لم تقرّ لله ولرسوله بالعزة لأضربنّ عنقك ، فقال : ويحك أفاعل أنت ؟ قال : نعم ، فلما رأى منه الجدّ ، قال : أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لابنه « جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا » « 2 » . فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله تعالى : لا يَفْقَهُونَ وختم الثانية بقوله تعالى : لا يَعْلَمُونَ ؟ . أجيب : بأنه ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثانية حماقتهم وجهلهم . ويفقهون من فقه يفقه كعلم يعلم ، أو من فقه يفقه كعظم يعظم ، فالأوّل لحصول الفقه بالتكلف ، والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي . ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين فقال تعالى : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : أقروا بالإيمان ، وقلوبهم مذعنة كظواهرهم لا تُلْهِكُمْ أي : لا تشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ سواء كان ذلك في إصلاحها ، أو التمتع بها بحيث تغفلون عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي : الملك الأعظم حذر المؤمنين أخلاق المنافقين ، أي : لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون ؛ إذ قالوا لأجل الشح بأموالهم لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وقوله تعالى : عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قال الضحاك : أي : عن الصلوات الخمس ، نظيره : قوله تعالى : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] وقال الحسن : عن جميع الفرائض ، كأنه قال : عن طاعة الله تعالى . وقيل : عن الحج والزكاة . وقيل عن قراءة القرآن ، وقيل : عن إدامة الذكر ، وقيل : هذا خطاب للمنافقين ، أي : آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب . ولما كان التقدير فمن انتهى فهو من الفائزين عطف عليه قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ أي :
--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 3 / 2 / 90 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .